مذكرات في التنمية: حوار مع هاجون تشانغ
بين التصنيع والخدمات: أين تصنع التنمية نفسها؟
01/03/2023, لندن
يُعد الاقتصادي هاجون تشانغ -لمن يُريد أن يعرف طريق التنمية- واحد من أبرز الأصوات التي أعادت للاقتصاد شيئًا من معناه الإنساني. فكرُه يخاطب الأكاديميين وصناع القرار، لكنه لا ينفصل عن الأسئلة الحائرة التي تراود الدول النامية وهي تبحث عن طريقها في عالم يزداد تشابكًا. ذهبت إليه لا بأسئلة دُول تحاول أن تُعرف لا بثرواتها الطبيعية، بل بما تضيفه إلى العالم: كيف تُبنى التنمية الحقيقية في زمن تزداد فيه تعقيدات الاقتصاد، وتتداخل فيه النصائح مع المصالح؟ وكيف يمكن لبلدٍ نامٍ أن يشق طريقه وسط هذه المتاهة، مستفيدًا من تجارب من سبقوه دون أن يكرر أخطاءهم، أو يذوب في وصفاتهم الجاهزة؟
ملخص الحوار:
كثيرًا من خطط التنمية في الدول النامية، تبدأ بأحلام كبيرة وطموحات تفوق القدرات، لذا من الضروري مواءمة الطموح مع الموارد المتاحة، ومنها رأس المال البشري، وإلا فسيتكفّل الواقع بتقليصها الطموح لاحقًا.
قطاع الخدمات لا يمكن أن يكون بديلًا عن التصنيع، بل هو امتداد له. فالخدمات المنتجة والموجهة للتصدير، مثل الخدمات اللوجستية والتقنية، تنمو عادة في ظل قاعدة صناعية متينة.
السياحة، أكد أنها قد تكون نافعة كمصدر دخل مؤقت، لكنها لا تؤسس لتنمية حقيقية مستدامة، خاصة إذا استنزفت القوى العاملة المحلية، أو غيّبت التصنيع كهدف طويل المدى.
■ كثير من الدول النامية اليوم، مثل إثيوبيا وفيتنام ورواندا، باتت تضع التصنيع في قلب استراتيجياتها التنموية. كيف ترى هذا التوجه؟ وهل تعتقد أن العودة للتصنيع باتت ضرورة حقيقية أم لا تزال تُعامل كخيار نظري؟
بالطبع سمعتُ عن مثل هذه الخطط كثيرًا. بل دُعيت غير مرة كمستشار، أو بصفتي 'مراقب جودة' لدى بعض الشركات الاستشارية التي تعمل على صياغة استراتيجيات صناعية هنا وهناك. وغالبًا ما أجد الخطأ نفسه يتكرر: طموح لا يتناسب مع القدرات.
في إحدى المرات، طُلب مني الاطلاع على استراتيجية تستهدف تطوير نحو 16 قطاعًا صناعيًا دفعة واحدة، من دون أي تقدير حقيقي للموارد المتاحة. ولا أقصد بالموارد هنا رأس المال وحده، بل عدد السكان، وتحديدًا حجم القوى العاملة الماهرة. فالدول الفقيرة عادة ما تعاني من ضعف الإمكانات المالية، بينما تعاني الدول الصغيرة نسبيًا – حتى وإن كانت أغنى – من محدودية البشر، وهو أمر لا يقل أهمية.
وعندما أُشير مثلًا إلى أن عدد القطاعات المستهدفة يفوق بكثير ما تسمح به التركيبة السكانية، وأقترح تقليصه إلى خمسة أو ستة قطاعات يمكن التركيز عليها فعليًا، لا يؤخذ هذا الرأي على محمل الجد (يحاولون، لكنهم في النهاية يُصرّون على تنفيذ الخطة). وهذا أمر شائع في الدول النامية. فالاستراتيجيات تبدأ غالبًا بأحلام كبيرة وعناوين لامعة، ثم، بعد بضع سنوات، يبدأ الواقع في قول كلمته. يُعاد النظر، يُقلّص الطموح، ويُترك ما تبقى على الورق، باعتباره 'أهدافًا مستقبلية.
المشكلة أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بالتعجيل ولا بالأماني، بل تحتاج إلى شغف... وصبر طويل. في بعض الحالات، يستغرق بناء قاعدة صناعية حقيقية ما لا يقل عن أربعين عامًا. ومع ذلك، تجد كثيرًا من الخطط تضع سقفًا زمنيًا قصيرًا (عشر سنوات، أو خمس عشرة بالكثير) وكأن القفزة الصناعية يمكن جدولتها كما يُجدول افتتاح فندق أو طريق سريع. وهذا يضع ضغطًا هائلًا على الاقتصاد، خاصة إذا كان معتادًا على الاعتماد على مصدر دخل واحد. ولا أقول إن القفزة السريعة مستحيلة، لكنها قد تكون مكلفة -اقتصاديًا واجتماعيًا- وقد لا يتحمل ثمنها إلا من لا يملك رفاهية التأجيل".
■ من اللافت في الخطط التنمية الحديثة في الدول النامية أن نجد اهتماما متزايدًا نحو قطاع الخدمات، فما رأيك؟
"قطاع الخدمات عنوان واسع، يضم أنشطة متباينة في القيمة والإنتاجية. فهناك خدمات ذات قيمة مضافة عالية، كالتكنولوجيا المالية أو خدمات الأعمال المتقدمة، وأخرى محدودة الأثر كالتجزئة أو بعض الوظائف الإدارية. إن أُحسن الاختيار، وتم التركيز على خدمات قابلة للتصدير أو تلك التي تتطلب بنى تحتية معقدة، فقد يكون لها أثر تنموي واضح.
لكن، وهذا ما يغفل عنه كثيرون، أن جزءًا كبيرًا من هذه الخدمات المنتجة لا يعيش إلا في ظل قطاع صناعي قوي. فالتصنيع هو الذي يخلق الحاجة لخدمات البحث والتطوير، وهو الذي يُنشئ الطلب على القطاع اللوجستي، بل إن حتى الخدمات المالية المتخصصة تدور غالبًا في فلك الإنتاج المادي.
لذلك، لا يمكن، ولا ينبغي، أن يُنظر إلى قطاع الخدمات كبديل عن التصنيع، بل كامتداد له، يتغذى عليه وينمو في ظله".
■ دعني أكون أكثر تحديدًا… ماذا عن السياحة؟
"كثير من الدول اليوم تحلم بأن تصبح غنية عبر الترويج للسياحة. لا أظن أن هذا حلم واقعي. في أحسن الأحوال، قد تزيد السياحة من الدخل على المدى القصير، وهو مهم أحيانًا. لكنها غالبًا لا تؤدي إلى تنمية حقيقية مستدامة على المدى البعيد.
بالطبع، أتفهم التوجه للسياحة لأنها تُعطي نتائج سريعة، عملات صعبة، وظائف، نمو شكلي… لكنها لا تبني قاعدة إنتاجية مستدامة. فالسياحة، على مدار 50 عامًا، لم تتغير كثيرًا. التطور فيها بطيء، والأنشطة المرتبطة بها (كالبيع بالتجزئة والمطاعم والفندقة) ذات إنتاجية محدودة."
ببساطة، السياحة قطاع محدود من حيث القيمة المضافة ومن حيث التأثيرات غير المباشرة (spillover effects). التصنيع، بالمقابل، تنسج شبكات من التخصص والإبداع تمتد إلى قطاعات أخرى. أما السياحة، فتبقى غالبًا في حدود الخدمة المباشرة".
■ لكن لماذا “السياحة لا تؤدي إلى تنمية حقيقية مستدامة على المدى البعيد”؟
"أي دولة تطمح للتنمية يجب أن تفكر بثلاث مستويات: قصيرة، متوسطة، وطويلة الأمد. فالتصنيع يتطلب استثمارًا مكلفًا وعائده يكون على المدى البعيد، هنا قد تُستخدم السياحة في البداية كمصدر دخل مؤقت، خاصة للدول الفقيرة، بهدف إعادة استثمار عائدات السياحة في في بناء القدرات الإنتاجية، صناعية كانت أو خدمات متقدمة. لكن أن يتحول هذا الهدف المؤقت إلى غاية دائمة، فذلك خطر.
وفي حالة بعض الدول النامية ذات الدخل المرتفع نسبيًا، لا أرى داعيًا كبيرًا للاعتماد على السياحة كمصدر تمويلي. بل أن التركيز الزائد عليها قد يشتت الانتباه عن الأهداف الأهم، مثل رفع الإنتاجية عبر التقنية والأتمتة والتحول الرقمي”.
■ لكن ألا ترى أن للسياحة دورًا في تحسين الصورة الدولية كقوة ناعمة يمكن أن يكون لها مردود اقتصادي غير مباشر؟
"لا أحب الخوض في الشؤون السياسية. لكن ما أعرفه أن ما يُعرف اليوم بمعجزة نمور آسيا لم يتحقق من خلال الحملات الترويجية، ولا عبر تحسين الصورة الذهنية في الخارج، بل عبر العمل الجاد، وتجاهل كثير من النصائح التي جاءت من بعض المؤسسات الدولية في ذلك الوقت.
كانوا واقعيين، يعرفون أن التجميل لا يغني عن البناء، وأن الأساس أولى من الواجهة.
أتفهم أن العالم اليوم تغيّر، وصار أكثر انفتاحًا بفعل وسائل التواصل والانطباعات السريعة، لكن هذا لا يغيّر القاعدة: لا تنمية بلا إنتاج، ولا قيمة للصورة إذا لم تستند إلى واقع صلب".
■ لفتني أنك تكرر الإشارة إلى عدد السكان، هل هذا معيار مهم برأيك؟
"طبعًا. معظم السياسات الاقتصادية تقوم -سواء انتبهنا أم لا- على فرضيات ضمنية تتعلق بعدد السكان وتركيبهم. لنأخذ مثالًا بسيطًا لكنه دال: أحد الباحثين الجزائريين، وكان يعمل وقتها لدى صندوق النقد الدولي، أجرى دراسة خلُص فيها إلى أن بلدًا نفطيًا متوسط الحجم، الجزائر على الأرجح، يحتاج إلى أن يستقبل عددًا من السياح يعادل ثلاثة أضعاف عدد سكانه، فقط ليعوّض ثلث دخله من النفط.
تخيّل! حتى إذا نجح هذا البلد في اجتذاب هذا الكم الهائل من السياح، من سيخدمهم؟ أسيكون ذلك بتوظيف عمالة أجنبية؟ وماذا عن الضغط على البنية التحتية؟ وعن صيانتها؟ والأرباح التي قد تخرج من الاقتصاد المحلي بدل أن تدور فيه؟ ناهيك عن الآثار الاجتماعية التي لا تُقاس بسهولة.
السياحة ليست شيطانًا، لكنها لا تنجح إلا حين تُبنى على أسس متينة، وحين لا تسرق الطاقات البشرية من القطاعات المنتجة. الخطر الحقيقي حين تصبح بديلاً سهلاً، يغري الشباب بترك الصناعة أو التقنية، ويقدّم لهم حلمًا سريعًا لا يبني بلدًا، بل يستهلكه".
■ كنت أطالع كتابك الأخير، ووجدته -كعادة كتبك- مزيجًا من البساطة والعمق. ومن الأمور اللافتة أيضًا في كتاباتك، أنك لا تملّ من التذكير بأن الاقتصاد ليس مدرسة واحدة، ولا لغة موحّدة، بل مائدة تضم أكثر من وصفة، وأكثر من طاهٍ. بل إنك ذهبت في كتابك الأخير "الاقتصاد القابل للأكل: اقتصادي جائع يشرح العالم"إلى أقصى ما يمكن من تبسيط، إذ حاولت إيصال الفكرة من خلال أطباق الطعام! وهذا في حد ذاته يحتاج إلى شجاعة فكرية، وإيمان عميق بأن الاقتصاد ليس علمًا للمختصين فحسب، بل شأنٌ يومي، يهمّ كل من يأكل ويشرب ويبحث عن معنى في حياته.
أنا شخصيًا أؤمن بالتعددية الاقتصادية، وأسعى، قدر ما أستطيع، إلى فهم وجهات النظر المختلفة -سواء في عملي أو في نقاشاتي- لكني، ككثيرين، لا أنجو دائمًا من الإحباط، خاصة حين يصطدم هذا المسعى بجبروت المدرسة السائدة، وبما تسميه أنت بـ"احتكار الجواب". لهذا خطر ببالي أن أسألك، لا بوصفك أكاديميًا فقط، بل بوصفك مناضلًا فكريًا طويل النفس: ما الذي أبقاك مستمرًا كل هذه السنوات دون أن تتعب أو تنسحب؟ وكيف نُعيد لعلم الاقتصاد مكانته كأداة لفهم الواقع وتحسينه، بدلًا من جعله حقل لتكرار النماذج وتقديم النصائح الجاهزة لصنّاع القرار؟
“أظن أن السبب بسيط: لأنني أؤمن أن هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله. أقول لطلابي دائمًا: إذا كنتم تبحثون عن المال، فالعمل في مجال الاستشارات مثلًا هو الطريق الأقصر. أما إن كنتم تريدون أن تُحدثوا تغييرًا حقيقيًا، فالصبر هو شرط البداية.
أما عن سؤالك الثاني، فأنا أحيلك إلى كتابي "23 شيئًا لا يخبرونك بها عن الرأسمالية"، حيث أشرح فيه لماذا ليس من الضروري أن يقود الاقتصاديون عملية التنمية! باختصار مخل، خلال سنوات ما يُعرف بـ'المعجزة الاقتصادية'، كانت السياسات الاقتصادية تُدار في اليابان وكوريا الجنوبية من قِبل محامين، وفي تايوان والصين من قِبل مهندسين. أما في أمريكا اللاتينية، فالكثير من البلدان أوكلت إدارة الاقتصاد إلى نخبة من الاقتصاديين المدربين تدريبًا عاليًا، كـ'صبيان شيكاغو' مثلًا، ومع ذلك لم تحقق نتائج تُقارن بما حققته الدول الآسيوية. الهند وباكستان أيضًا لديهما عدد كبير من الاقتصاديين العالميين، لكن أداءهما الاقتصادي لا يرقى لما حققته دول شرق آسيا.
بالطبع، هذا لا يعني أن الاقتصاد علم لا فائدة منه، لكنه لا ينبغي أن لا يُعامل كأداة احتكارية بيد فئة واحدة والتسليم لأيدولوجية واحدة".
وفي ختام اللقاء، طرحت عليه فكرة زيارة المملكة العربية السعودية لإلقاء محاضرات اقتصادية وتبادل الخبرات، فرحّب بها بكل ود وانفتاح.
📺 انقر للاطلاع على المزيد من المقاطع المترجمة للاقتصادي هاجون تشانغ على قناتي على يوتيوب.


