كيف ُيخفض نمو الاقتصاد من معدلات الخصوبة؟
قراءة في دراسة 3 | الرُضع والاقتصاد الكلي
صراع في معادلة التنمية: نمو الاقتصاد أم الخصوبة؟1
في كل مرة يحاول فيها الاقتصاديون التوصل إلى تفسير بسيط لانخفاض الخصوبة مع زيادة الدخل، يواجهون واقعًا معقدًا، ويبدو أن هذا الواقع يرفض ببساطة اختزال العلاقات الإنسانية إلى معادلات خطية وسببية كما ذكرت في مقال سابق2. مثل هذه القضايا لا تقتصر على حدود الاقتصاد وحده، بل تتشابك مع القيم الثقافية والتقاليد، تلك العوامل غير الملموسة التي يصر بعض الاقتصاديون على تجاهلها أو تقليصها إلى مجرد متغيرات قابلة للقياس.
ولعل "كلوديا غولدين"، الحائزة على جائزة نوبل في الاقتصاد، تدرك ذلك جيدًا، فهي ليست مجرد اقتصادية، بل أيضًا مؤرخة. ورغم إدراكها هذا، واجهت صعوبة في إقناع زملائها الاقتصاديين بتفسير غير مادي. فاختارت أن تخاطبهم -في ورقة عمل نُشرت في ديمسبر الماضي- بلغتهم التي يقدسونها: النماذج والمعادلات، لعلها تستطيع أن تبين لهم، من خلال تلك المعادلات الجافة، أن الثقافة والتقاليد ليست مجرد ترف فكري أو نزعة انتقائية، بل هي محركات أساسية تؤثر وتتفاعل مع الاقتصاد، ولكن بطريقة قد تظل بعيدة حتى عن استيعاب المنهج العلمي الغربي.
فهل تتمكن اقتصادية هارفارد من الانتصار للثقافة، وإقناع زملائها بأن "غير المادي" قد يكون أعمق وأهم من "المادي" في تفسير الواقع؟
تعقيد يُصارع التبسيط: لماذا تقل الخصوبة كلما زاد الدخل؟
معدلات الخصوبة هي مقياس إحصائي وليس طبيًا، يعبر عن متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة خلال عمرها الإنجابي (15-49 عامًا). قد يُفترض أن الأسر الأكثر ثراءً تنجب أكثر، نظرًا لقدرتها على توفير مستوى معيشي أفضل، لكن الدراسات منذ الستينيات أظهرت العكس، إذ تنخفض الخصوبة مع ارتفاع الدخل. اعتقد البعض أن السبب هو نقص الوعي بتنظيم الأسرة، فتم تقديم وسائل منع الحمل للفقراء على افتراض أنهم سيتبعون النموذج الغربي ويفضلون إنجاب عدد أقل. لكن حين توفرت لهم هذه الوسائل، لم ينخفض معدل الخصوبة كما كان متوقعًا، مما كشف أن القرار الإنجابي ليس مجرد مسألة معرفة أو إمكانيات، بل يتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية أكثر تعقيدًا.
ثم ظهرت فرضية جديدة مفادها أن الأباء ذو الدخل المرتفع يُقدّرون قيمة الوقت أكثر. فزيادة الدخل لا تعني مجرد تحسين القدرة الشرائية، بل تؤثر أيضًا على كيفية تخصيص الوقت. وعندما يرتفع دخل الأسرة، يتجلى تأثير مزدوج: تأثير الدخل الإضافي (Income Effect)، الذي يسمح بإنجاب عدد أكبر من الأطفال، وتأثير الإحلال (Substitution Effect)، الذي يعني أن الأسر قد تختار تخصيص دخلها الزائد في أمور أخرى، مثل العمل أو الترفيه، بدلاً من تربية الأطفال التي تتطلب وقتًا وجهدًا مضاعفًا. لكن هذا أيضًا لا يُفسر كامل الحقيقة.
ثم تأتي نظرية المفاضلة بين الكمية والجودة لتقول ببساطة أن الآباء ينفقون المزيد من المال لتحسين "جودة" أطفالهم، من خلال الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأخرى. وهنا يبرز تحدي جديد: إن الإنفاق على تحسين جودة الطفل الأول يجعل إنجاب الأطفال الآخرين أكثر تكلفة، مما يقلل الرغبة في إنجاب المزيد. تبدو هذه الفكرة أكثر إقناعًا، لكنها تتجاهل ببساطة حقيقة أن قرار إنجاب الأطفال ليس مجرد قرار فردي، بل هو عملية توافق بين الزوجين، وهي مسألة يصعب ضمان التوافق فيها في كثير من الأحيان. كما فشلت هذه النظرية في تفسير العلاقة الإيجابية بين الخصوبة والدخل في بعض الدول الغنية، وكذلك العلاقة بين الخصوبة ومشاركة النساء في سوق العمل.
وأخيرًا، وصل الاقتصاديون إلى التفسير الأكثر شيوعًا في الأوساط الاقتصادية: أن عمل وتعليم المرأة هما العاملان الرئيسيان في تقليص معدلات الخصوبة. فالمرأة التي تتمتع تتعلم وتشارك في سوق العمل تصبح، إما برغبتها أو اضطرارًا، أكثر ميلاً لتأجيل الإنجاب أو تقليص عدد الأطفال. أما اختلاف أنماط الخصوبة بين الدول؟ مجرد أمور عشوائية، ربما بسبب اختلاف الثقافات، وفي حتمية عجيبة، ستلحق الدول ببعضها عاجلًا أم آجلًا.
استفهامات تُحرج التبسيط…
تحمل أدبيات اقتصاد السكان منطقًا قد يبدو مُقنعًا في تفسير شيء من الواقع، إلا أن قليلًا من التأمل العميق يكشف عن تساؤلات تُبقيها في دائرة الشك. إذا كان من المفترض أن يؤدي النمو الاقتصادي إلى خفض الخصوبة، فلماذا يتفاوت تأثيره بين دولة وأخرى بوضوح؟
لماذا شهدت مجموعة من الدول (باللون البرتقالي) مثل اليونان، إيطاليا، اليابان، كوريا، البرتغال، وإسبانيا انخفاضًا حادًا في معدلات الخصوبة في منتصف الثمانينيات، لدرجة أنها بدأت تواجه انحدارًا ديموغرافيًا ثم تلت ذلك فترات من الركود الاقتصادي، رغم أنها بدأت بمعدلات خصوبة مرتفعة في السبعينيات؟
بينما في المقابل، شهدت مجموعة أخرى (باللون الأزرق) من الدول مثل الدنمارك، فرنسا، ألمانيا، السويد، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة تحسنًا أو على الأقل استقرارًا في معدلات الخصوبة، رغم أنها بدأت بمعدلات خصوبة متوسطة، ليصبح معدل الخصوبة لديها في النهاية أعلى من المجموعة الأولى، مع استمرار النمو الاقتصادي؟
كيف نُفسر هذا التحول العجيب والمُخيف (خاصة أن مؤشرات نمو الاقتصاد لدول المجموعة الأولى أصبحت ضعيفة، بينما حافظت المجموعة الثانية على نمو اقتصادي جيد)؟

اختلاف ثقافات؟
غالبًا ما يُعتبر التفسير السهل والمريح وراء تباين معدلات الخصوبة بين الدول هو اختلاف الثقافات والتقاليد والأديان، وهي أمور يصعب قياسها، وربما "ليس هناك حاجة لقياسها" أصلًا. لكن هل نتوقف للحظة ونتساءل إن كنا نريد فهم الحقيقة، لا نسخة سطحية منها؟ بعض دول المجموعة الأولى (إيطاليا، البرتغال، وإسبانيا) تحمل ثقافات متجذرة في قيم دينية وأسرية قوية، حيث تُعد العائلة أحد الأعمدة الأساسية في بناء المجتمع. القيم الكاثوليكية، مثل طاعة الآباء وتمجيد الأسلاف، تلعب دورًا محوريًا في تشكيل العلاقات الأسرية. بل عندما ننتقل إلى اليابان وكوريا من نفس المجموعة، تختلف الديانات، لكن نجد أن قيم العائلة أكبر والاحترام المتبادل بين الأجيال يُشكل جزءًا لا يتجزأ من الثقافة.
فكيف لنا إذًا أن نُصدق تلك الحتمية "الغربية" التي تقول ببساطة إن دول المجموعة الأولى ستلحق بدول المجموعة الثانية مع مرور الوقت؟ كيف لدول تمتلك قيمًا محافظة ومتجذرة في أسس أسرية قوية أن تنتهي بمعدلات خصوبة أقل من دول أخرى لم تبدأ بنفس الترابط الأسري العميق؟ أليس هذا تناقضًا يثير الدهشة؟ ناهيك عن برامج تشجيع الإنجاب التي قامت بها الحكومات والتي لا تُثمر عادة كما كان يُنتظر.
أم صراع ثقافات؟
في محاولة الباحثة لقياس دور الثقافة والتقاليد في تشكيل تفضيلات الإنجاب، تفترض أن هذه التفضيلات تتشكل بمزيج معقد من 1) القيم الثقافية الموروثة و 2) المعتقدات المكتسبة خلال مرحلة البلوغ. وفقًا لنموذجها، فإن الرجال - كما تفترض الباحثة - يضعون وزنًا أكبر على التقاليد الثقافية، لأن تلك التقاليد تحافظ على امتيازاتهم داخل المجتمع، بينما تميل النساء إلى تبني الحداثة لما تمنحه من فرص تساويهن مع الرجال. في خضم النمو الاقتصادي السريع، يتجسد التفاوت بين الجنسين في تأثيراته على معدلات الخصوبة. ففي دول المجموعة الأولى، شهد النمو الاقتصادي السريع تحولات ثقافية واجتماعية عميقة. فمثلًا الهجرة من المناطق الريفية إلى المدن بحثًا عن الرزق لم تكن مجرد انتقال مكاني فحسب، بل كانت انتقالًا ثقافيًا أيضًا أدى إلى نشوء صراعات مجتمعية:
1. صراع الأجيال:
يتجسد في التوتر بين التقاليد العميقة التي يدافع عنها الجيل الأكبر، وبين الطموحات والرغبات التي تحملها الأجيال الأصغر. الأجيال الشابة، التي نشأت في بيئة حضرية، تتبنى القيم الحضرية التي يونها أكثر انفتاحًا وتحررًا، لتجد نفسها في صراع مع أسلافها الذين تمسكوا بتقاليد ريفية أكثر تحفظًا.
2. صراع الجنسين:
يتمثل في الصراع بين النساء والرجال حول الأدوار الأسرية والمجتمعية . فمع زيادة مشاركة النساء في سوق العمل، وتحسين تعليمهن، تتطور تطلعاتهن المهنية والشخصية، ويُصبحن أكثر تمسكًا بمسارات حياتية لا تتوافق مع نمط الأسرة التقليدي. هذه التغيرات تفرض تحديات على الرجال، الذين يتمسكون بدورهم التقليدي في الأسرة، فتبدأ النساء بالمطالبة بتقسيم أدوار أكثر مساواة، ما يخلق صراعًا دائم حول مسؤوليات العمل المنزلي وتربية الأطفال، ويصبح تحقيق توازن بين العمل وحياة الأسرة تحديًا للجنسين.
عندما يكون نمو الاقتصاد مشكلةً أحيانًا…
مرة أخرى، نرى أن ازدهار الاقتصاد لا يعني بالضرورة ازدهار الإنسان! فالاقتصاد الذي قد ينمو بسرعة، قد يُحدث تغيرات اجتماعية مفاجئة لا تواكب ثقافة المجتمع، التي عادةً ما تسير بخطى رزينة ومتأنية. وعندما لا تتماشى هذه التحولات الاقتصادية مع الإيقاع الطبيعي للمجتمع، تظهر صدمة تهز النسيج الاجتماعي أولاً، ولا تلبث أن تنعكس لاحقاً على نمو الاقتصاد نفسه.
في الدول ذات الثقافات المحافظة خاصة، أدت سرعة النمو الاقتصادي إلى فرض تغيرات اجتماعية جذرية تؤجج صراعات مجتمعية بين الأجيال والجنسين، وضعت المجتمع أمام تحديات لم يكن مستعداً لها. ومع هذه التحولات المتسارعة، لم يكون هناك وقت كافٍ للتكيف أو استيعاب هذه التغيرات، فتراجعت معدلات الخصوبة بحدة، وتأثر الاقتصاد لاحقًا. أما الدول التي شهدت تحولات مشابهة ولكن بوتيرة أكثر تدرجاً، فقد تمكنت من امتصاص هذه الصدمات والتكيف معها دون أن ينهار تماسكها الاجتماعي، فحافظت على استدامة النمو الاقتصادي.
وهنا تتضح المفارقة الكبرى: الدول التي اندفعت بسرعة مذهلة وراء الحلم الغربي، مسحورة ببريق الحداثة والتقدم، سرعان ما وجدت نفسها أمام مأزق وجودي وواقع لا يشبهها. نعم، اكتسبت مظهرًا حديثًا، لكن جوهرها ظل محل تساؤل. وها هي الثقافة، التي ظن البعض أنها مجرد زينة فكرية تُعلَّق على جدران التاريخ، تعود لتُعاقبهم وتذكّرهم بأنها ليست ترفًا فكريًا، بل كما وصفها علي عزت بيغوفيتش: "الفن الذي يكون به الإنسان إنسانًا3". إنها العمود الفقري الذي يشكّل الاقتصاد والمجتمع معًا، وهي ليست مجرد عنصر جانبي يمكن الاستغناء عنه دون عواقب، بل هي الأساس الذي تستند إليه أي نهضة حقيقية.
فهل يجرؤ الغرب الذي وعد تلك الدول بالتقدم أن يعترف، قائلًا: "وَوَعَدتّكُمُ فَأَخْلَفْتُكُم"؟ ويدرك أن المستقبل لا يُبنى دون وعيٍ بالعمق التاريخي، ذاك الذي يتلاقى مع الحضارات، لا تُختزل في محطات عابرة، بل تمتد بجذورها في الزمن، حيث لا نهضة تُبنى على قطيعة مع الهوية.
الثقافة أساس في معادلة التنمية
بلا شك لا ينبغي أن نأخذ ظاهر التفسير الذي قدمته الورقة كقانون مُطلق، بالطبع نستفيد مما جاء فيها، لكن حذاري، عزيزي القارئ، من أن تنزلق مرة أخرى إلى خطأ التعميم، فتسعى إلى التنبؤ بمصير مجتمعك بناءً على ما جاء في هذه الورقة، فأنت تنتمي إلى ثقافة مختلفة عن تلك الدول، وأمة موغلة في القِدم!
ما تحمله الورقة وراء سطورها هور سالة أعمق مفادها أن الثقافة جوهر كل تنمية. وأن التنمية ليست وصفة عالمية تُطبق بنفس الطريقة في كل زمان ومكان، ومن يحاول استيراد تجارب الآخرين، أو يقيس حاضره ومستقبله بثقافة غيره، فهو كمن يركض خلف السراب. وكما أشار الاقتصادي السعودي محسون جلال -رحمه الله- منذ أكثر من نصف قرن (1969):
“ولئن كان استيراد رأس المال والخبرة مجديًا إذا قابله التصميم والعزم الأكيد من قبل أبناء المجتمع، إلا أن استيراد الفلسفة الذي يتم في إطارها عملية التنمية لن يكون مجديًا على الإطلاق. فالإطار الفلسفي للتنمية الاقتصادية يجب أن يكون مستمدًا من داخل المجتمع نفسه. فلقد نمت إنجلترا في إطار فلسفي تجاري، ونمت الولايات المتحدة في إطار فلسفي رعوي، ونمت اليابان في إطار فلسفي إقطاعي. لماذا إذن لا بد أن يكون الإطار الفلسفي لنمو الدولة المختلفة دخيلًا عليها؟ إن ما نخلص به من التجارب التي مرت بها العديد من الدول المختلفة أن الفلسفة المستوردة مآلها الفشل، ولا حالة.”
يبقى سؤال التنمية الجوهري: كيف للدول أن نحقق تنميةً لا تتصادم مع ثقافتها بل تنبع منها، تنميةً لا تهدم، بل تبني؟ كيف تجد الدول إطار الفلسفي خاصًا للتنمية الذي يحفظ التوازن بين التقدم والهوية؟
Goldin, C. (2024). Babies and the macroeconomy (Working Paper No. 33311). National Bureau of Economic Research. https://www.nber.org/papers/w33311
"الإسلام بين الشرق والغرب"





محظوظٌ من يُدرك عمقه التاريخي.
كما قال الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز:
"لدينا عمق تاريخي مهم جدًا، موغل في القدم، ويتلاقى مع الكثير من الحضارات."